عبد الله بن قدامه
37
كتاب التوابين
ثم ركب يوما فإذا عليه حائط مصمت ، فقال : إني أحسب ان خلف هذا الحائط ناسا وعالما آخر ، فأخرجوني أزدد علما وألقى الناس . فقيل ذلك لأبيه ، ففزع وخشي أن يتبع سنة إخوته ، فقال : اجمعوا عليه كل لهو ولعب ، ففعلوا ذلك . ثم ركب في السنة الثانية . فقال : لا بد من الخروج . فأخبر بذلك الشيخ ، فقال : أخرجوه . فجعل على عجلة وكلل بالزبرجد والذهب وصار حوله حافتان من الناس . فبينا هو يسير إذا هو برجل مبتلى فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل مبتلى . فقال : أيصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له ؟ قالوا : كل خائف له . قال : وأنا فيما انا فيه من السلطان ؟ قالوا : نعم ، قال : أف لعيشكم هذا ! هذا عيش كدر . فرجع مغموما محزونا ، فقيل لأبيه ، فقال : انشروا عليه كل لهو وباطل حتى تنزعوا من قلبه هذا الحزن والغم . فلبث حولا ، ثم قال : أخرجوني ، فأخرج على مثل حاله الأول . فبينا هو يسير إذا هو برجل قد هرم ، ولعابه يسيل من فيه . فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل قد هرم . قال : يصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له إن هو عمر ؟ قالوا : كل خائف له . قال : أف لعيشكم هذا ! هذا عيش لا يصفو لأحد . فأخبر بذلك أبوه ، فقال : احشروا عليه كل لهو وباطل . فحشروا عليه .